لكـل شيءٍ إذا مـا تـم نقصـانُ … فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هـي الأمـورُ كما شاهدتها دُولٌ … مَن سَرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمـانُ
وهـذه الدار لا تُبقي على أحـد … ولا يدوم على حالٍ لها شان
شعر :أبو البقاء الرندي
مدينة الشعر والأدب
إشبيلية، درة الأندلس وسيدة الجنوب، ترقد بهدوء على ضفاف نهر الوادي الكبير، كأنها قصيدة معلّقة بين دفتي التاريخ والحاضر. هي مدينة تنبض بالأصالة، وتتنفس عبق الماضي، بينما تتزين برونق الحضارة الحديثة وسحرها الأخّاذ.
منذ القدم، كانت إشبيلية ملتقى الحضارات. سكنها الرومان في زمن الفينيقيين، ثم دانت لحكم القوط الغربيين، حتى أشرقت عليها شمس الإسلام عام 712م، لتبدأ مرحلة من أعظم مراحل ازدهارها. في ظل الحكم الإسلامي، أصبحت إشبيلية منارة للعلم والثقافة، وملتقى للتجارة والفكر، فاختارها القائد موسى بن نصير حاضرة للأندلس، لموقعها الإستراتيجي الفريد، قرب البحر، وتوسطها طرق المدن الأندلسية الكبرى، وسهولة اتصالها ببلاد المغرب، مما جعلها قاعدة لانطلاق الجيوش الإسلامية.
وفي أواخر عهد الإمارة الأموية، انفصلت المدينة عن الخلافة في قرطبة، ودخلت عهد ملوك الطوائف، حتى بزغ نجم المعتمد بن عباد، أحد أشهر ملوكها وأشدهم تعلقًا بالشعر والأدب. لكن المجد لا يدوم، فاستسلمت المدينة للمرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين، ثم وقعت في قبضة الملك فرناندو الثالث سنة 1248م، لينتهي بذلك فصل من أنقى فصول الحضارة الإسلامية في إسبانيا.
وفي قلب المدينة، تتجلّى معالمها كأنها فصول من كتابٍ خالد. يقف قصر المورق شامخًا، بتحفه المعمارية التي تعانق الفن الإسلامي والنهج القوطي في تناغمٍ أخّاذ، ليحكي قصة الملوك الذين تعاقبوا على عرش المدينة. وعلى مقربةٍ منه، يلوح برج الخيرالدا، المئذنة التي تحوّلت إلى رمزٍ لإشبيلية، يحتفظ في حجارته بصدى الأذان القديم، ويطلّ على الكاتدرائية الكبرى التي تعد من أضخم كاتدرائيات أوروبا. أما ساحة إسبانيا، فهي تحفة فنية تنبض بالحياة، حيث تتراقص المياه في نوافيرها، وتحيط بها الأروقة المزيّنة بالخزف الأندلسي البديع، فتروي بلغة الفن تاريخ المقاطعات الإسبانية. وبين هذه المعالم وغيرها، تبقى إشبيلية مدينة لا تُقرأ فقط في الكتب، بل تُعاش بكل الحواس.
ومع ذلك، لا تزال إشبيلية إلى اليوم تحفظ ذاكرة الأندلس، في أزقتها الضيقة، وظلال قصورها، وحدائقها الغنّاء، وفي مبانيها التاريخية التي تختلط فيها نبرات الحنين بأصداء التاريخ.

